أبو الليث السمرقندي

30

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

والكسائي وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص : وإنما يَدْعُونَ بالياء على معنى الخبر عنهم . وقرأ الباقون : بالتاء على معنى المخاطبة لهم . ثم عظّم نفسه فقال تعالى : وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ يعني : ليعلموا أن اللّه هو الرفيع الكبير . يعني : العظيم ، وهو الذي يعظم ويحمد . ثم بيّن قدرته فقال عز وجل : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ يعني : السفن تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ أي : برحمة اللّه لمنفعة الخلق لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ يعني : من علامات وحدانيته . ويقال : من عجائبه . إِنَّ فِي ذلِكَ يعني : إن الذي ترون في البحر لَآياتٍ يعني : لعبارات لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ على أمر اللّه عز وجل عند البلاء . ويقال : الذي يصبر في الأحوال كلها ، شكورا للّه عز وجل في نعمه . ويقال : لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ يعني : لكل مؤمن موحد . وإنما وصفه بأفضل خصلتين في المؤمن ، لأن أفضل خصال المؤمن : الصبر والشكر . والصبار هو للمبالغة في الصبر . والشكور على ميزان فعول هو للمبالغة في الشكر . وروي عن قتادة أنه قال : إن أحب العباد إلى اللّه من إذا أعطي شكر ، وإذا ابتلي صبر . فأعلم اللّه عز وجل أن المتفكر المعتبر في خلق السماوات والأرض هو الصبار والشكور . قوله عز وجل : وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ يعني : أتاهم موج ، كما يقال : من غشي سدد السلطان يجلس ويقم . ويقال : علاهم . ويقال : غطاهم موج كالظلل يعني : كالسحاب . ويقال : كالجبال ، وهو جمع ظلة . يعني : يأتيهم الموج بعضه فوق بعض وله سواد لكثرته . دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ يعني : أخلصوا له بالدعوة فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ يعني : إلى القرار فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ يعني : فمنهم من يؤمن ، ومنهم من يكفر ولا يؤمن . ثم ذكر المشرك الذي ينقض العهد فقال تعالى : وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا يعني : لا يترك العهد إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ يعني : غدار بالعهد . كفور للّه عز وجل في نعمه . وقال القتبي : الختر أقبح الغدر . كَفُورٍ على ميزان فعول . وإنما يذكر هذا اللفظ إذا صار عادة له كما يقال : ظلوم . وقد ذكر الكافر بأقبح خصلتين فيه ، كما ذكر المؤمن بأحسن خصلتين فيه وهو قوله : صَبَّارٍ شَكُورٍ . [ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 33 إلى 34 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ( 33 ) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ( 34 )